النويري
162
نهاية الأرب في فنون الأدب
حتى قدم على صالح بدارا ، فلما لقيه قال : اخرج بنا رحمك اللَّه ، فو اللَّه ما تزداد السّنة إلَّا دروسا ، ولا يزداد المجرمون إلَّا طغيانا . فبثّ صالح رسله ، وواعد أصحابه للخروج هلال صفر سنة [ 76 ه ] ست وسبعين ، فاجتمعوا عنده ليلة الموعد ، فسأله بعض أصحابه عن القتال ؛ أيكون قبل الدعاء أو بعده ؟ فقال : بل ندعوهم ، فإنه أقطع لحجّتهم . فقال : كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا بهم ، ما تقول في دمائهم وأموالهم ؟ فقال : إن قاتلنا فغنمنا فلنا ، وإن عفونا فموسّع علينا . ثم وعظ أصحابه وأمرهم بأمره ، وقال لهم : إن أكثركم رجّالة ، وهذه دوابّ لمحمد بن مروان فابدؤا بها ، فاحملوا عليها راجلكم وتقوّوا بها على عدوّكم . فخرجوا تلك الليلة فأخذوا الدوابّ ، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة ، وتحصّن أهلها منهم وأهل نصيبين وسنجار « 1 » ، وكان خروجه في مائة وعشرين ، وقيل : وعشرة . وبلغ ذلك محمد بن مروان وهو أمير الجزيرة يومئذ ، فأرسل إليهم عدىّ بن عدىّ الكندي في ألف ، فسار من حرّان ، وكأنّه يساق إلى الموت ، وأرسل عدىّ إلى صالح يسأله أن يخرج من هذه البلد ، ويعلمه أنه يكره قتاله . وكان عدىّ ناسكا . فأعاد صالح إليه : إن كنت ترى رأينا خرجنا عنك . فأرسل إليه : إني لا أرى رأيك ، ولكني أكره قتالك وقتال غيرك . فقال صالح لأصحابه : اركبوا ،
--> « 1 » بالكسر ثم السكون ، ثم جيم ، وآخره راء : مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة ، بينها وبين الموصل ثلاثة أيام ( المراصد ) .